إعلام

March 19, 2026

5 دقائق قراءة

مكتب تحرير تورينو

لكن ما هي الاستراتيجية؟؟

كيف تحوّل سؤال "لكن ما هي الاستراتيجية" إلى ملجأ دائم للمحللين الذين دائمًا واثقون، دائمًا مستخفّون، ودائمًا يتأخرون عن الواقع.

Share this article

لكن ما هي الاستراتيجية؟؟

عبارة "لكن ما هي الاستراتيجية؟؟" تبدو للوهلة الأولى كسؤال جدّي. كأن أحدًا يسأل فعلاً عن الهدف، عن الغاية، عن خطة النهاية. لكن في الواقع، في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، هذا في كثير من الأحيان ليس سؤالاً استراتيجيًا حقيقيًا. إنه أسلوب تهرّب.

لأن نفس الشيء يتكرر مرارًا وتكرارًا: يظهر تهديد. هناك من يحذّر. هناك من يقول إن الواقع يتصاعد. ثم يأتي المحللون الواثقون — المطمئنون، المستخفّون — الذين يعرفون كيف يشرحون لماذا "لا داعي للمبالغة"، لماذا "هذا غير ممكن"، لماذا "لن ينجح"، لماذا "يجب التفكير". وبعد أن يثبت الواقع أنهم أخطأوا، بدلاً من التوقف والقول "أخطأنا"، تأتي العبارة المألوفة: "لكن ما هي الاستراتيجية؟؟"

هذه هي النقطة. يُقدَّم هذا السؤال كقمة المسؤولية، لكنه في أغلب الأحيان يأتي بالضبط ممن فشلوا في قراءة الواقع من البداية.

في اللحظة التي يسأل فيها أحدهم "لكن ما هي الاستراتيجية؟؟" بالنبرة المناسبة، يحصل فورًا على هالة الإنسان المتّزن، العميق، المسؤول، الحكيم. فجأة من يتصرف يُنظر إليه كمتهوّر، ومن يطالب بردّ يُنظر إليه كمن لم يفكّر حتى النهاية. هذه بالضبط قوة هذا التأطير.

بدلاً من مواجهة السؤال: هل استخفّوا مرة أخرى بالتهديد، هل باعوا للجمهور مرة أخرى يقينًا زائفًا، هل فاتتهم مرة أخرى نوايا العدو — ينتقل النقاش. لم نعد نتحدث عن فشلهم. نتحدث عن أن شخصًا آخر يحتاج الآن لتقديم خطة كاملة، مثالية، معقّمة، بنهاية معروفة مسبقًا.

وهذا بالطبع معيار غير واقعي. في الواقع، الدول تعمل أيضًا في ظروف عدم اليقين. ليس كل خطوة تتطلب سيناريو نهاية بدقة عشر سنوات. أحيانًا هناك تهديد يجب كسره. أحيانًا هناك ثمن يجب تحصيله. أحيانًا "ما هي الاستراتيجية" سؤال مشروع — لكن أحيانًا هو ببساطة ذريعة لمن يتأخر دائمًا في فهم أي معركة يخوضها.

هذا المنشور لا يتحدث عن شخص أو اثنين. إنه يتحدث عن نوع كامل. نوع من التعليقات حيث نفس الأسماء، نفس الاستوديوهات، نفس النبرات، ونفس التفوّق المهني الظاهري، تعود مرارًا وتكرارًا لتشرح للجمهور لماذا من يحذّر يبالغ، لماذا من يطالب بحسم لا يفهم، ولماذا الواقع دائمًا أقل خطورة مما يبدو.

ثم يحدث الشيء المألوف مرة أخرى: التصعيد يأتي. التهديد يتبيّن أنه أعمق. الخصم يتبيّن أنه أكثر إصرارًا. الردّ الذي اعتُبر "غير ضروري" يصبح حتميًا. والمحللون، بدلاً من تحمّل الثمن العلني لتوقعاتهم الفاشلة، يعيدون تدوير مكانتهم من خلال نفس السؤال: "لكن ما هي الاستراتيجية؟؟"

ليس من الحكمة الكبيرة أن تسأل عن الاستراتيجية فقط بعد أن كل ما كان مطلوبًا فعلاً هو قراءة الواقع بشكل صحيح أولاً. من يفشل مرارًا وتكرارًا في قراءة الواقع لا يصبح استراتيجيًا لمجرد أنه يطرح السؤال بنظرة جادة.

بالطبع نحتاج استراتيجية. بالطبع نحتاج أهدافًا. بالطبع يجب التفكير أيضًا في اليوم التالي. لكن السؤال عمّن يسأل، في أي مرحلة، وبعد أي سجلّ من الأخطاء — هو سؤال لا يقلّ أهمية.

عندما تفوّت نفس الأصوات مرارًا وتكرارًا التهديد، وتستخفّ بالخصم، ثم تقف أمام الكاميرا لتطالب الآخرين بوضوح مثالي، فهذا ليس نقاشًا استراتيجيًا نظيفًا. إنه آلية دفاع. ليس تحليلاً. إنه تهرّب بنبرة سلطوية.

المشكلة لم تكن أبدًا في السؤال نفسه "ما هي الاستراتيجية". المشكلة هي الطريقة التي تحوّل بها إلى أداة دائمة لمن لا يستطيعون تحديد الواقع في الوقت المناسب، ثم يسعون لإعادة إدارة النقاش كأنهم الراشد الوحيد في الغرفة.

في المرة القادمة التي يطرح فيها أحدهم "لكن ما هي الاستراتيجية؟؟"، يستحقّ التوقف لحظة وطرح سؤال أبسط: أين كنتم قبل خمس دقائق من أن يثبت الواقع مرة أخرى أنكم أخطأتم؟

انضمّوا للنشرة الإخبارية

مرّة بالأسبوع. نصّ حادّ، تحليل واضح، وصوت يعيد التوازن للخطاب.

بالتسجيل أنتم توافقون علىسياسة الخصوصية

منشورات ذات صلة

أسف رفابورت يتحدث في مؤتمر TechCrunch Disrupt 2024
إعلام

March 13, 2026

3 min read

مكتب التحليل

من كابلان إلى غرف البث: ماذا تعني صفقة رفابورت وقناة 13

الاستحواذ المرتقب على قناة 13 من قبل مجموعة بقيادة أسف رفابورت ليس مجرد صفقة إعلامية أخرى. بالنسبة للكثيرين في اليمين، هو يرمز إلى انتقال نفس المعسكر الأيديولوجي من قوة الاحتجاج إلى أحد أهم مراكز التأثير في إسرائيل.

من يسيطر على المعلومات في زمن الحرب
إعلام

March 13, 2026

3 min read

مكتب التحليل

من يسيطر على المعلومات في زمن الحرب

في زمن الحرب، قد تخدم الرقابة والاعتبارات الأمنية غرضًا حقيقيًا. لكن عندما تستمر القيود في التوسع، لم يعد السؤال فقط ما الذي يجب إخفاؤه عن العدو، بل أيضًا ما الذي لا يزال مسموحًا للمواطنين بمعرفته عن الواقع الذي يعيشون فيه.